محمد الريشهري

3323

ميزان الحكمة

وأعماله ، لا بالجهات الجسمانية والأحكام الاجتماعية . فهذه معان تعطيها هذه الآية الشريفة ، وواضح أنها أحكام تغاير الأحكام الجسمانية ، وتتنافى الخواص المادية الدنيوية من جميع جهاتها ، فالنفس الإنسانية غير البدن . ومما يدل عليه من الآيات قوله تعالى : * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ) * ( 1 ) ، والتوفي والاستيفاء هو أخذ الحق بتمامه وكماله ، وما تشتمل عليه الآية - من الأخذ والإمساك والإرسال - ظاهر في المغايرة بين النفس والبدن . ومن الآيات قوله تعالى : * ( وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون * قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ) * ( 2 ) ، ذكر سبحانه شبهة من شبهات الكفار المنكرين للمعاد ، وهو أنا بعد الموت وانحلال تركيب أبداننا تتفرق أعضاؤنا ، وتبدد أجزاؤنا ، وتتبدل صورنا فنضل في الأرض ، ويفقدنا حواس المدركين ، فكيف يمكن أن نقع ثانيا في خلق جديد ؟ وهذا استبعاد محض ، وقد لقن تعالى على رسوله : الجواب عنه ، بقوله : * ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم . . . ) * الآية ، وحاصل الجواب : أن هناك ملكا موكلا بكم هو يتوفاكم ويأخذكم ، ولا يدعكم تضلوا وأنتم في قبضته وحفاظته ، وما تضل في الأرض إنما هو أبدانكم لا نفوسكم التي هي المدلول عليها بلفظ " كم " فإنه يتوفاكم . ومن الآيات قوله تعالى : * ( ونفخ فيه من روحه . . . ) * الآية ( 3 ) ذكره في خلق الإنسان ثم قال تعالى : * ( يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) * ( 4 ) فأفاد أن الروح من سنخ أمره ، ثم عرف الأمر في قوله تعالى : * ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ ) * ( 5 ) فأفاد أن الروح من الملكوت ، وأنها كلمة " كن " ثم عرف الأمر بتوصيفه بوصف آخر بقوله : * ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) * ( 6 ) ، والتعبير بقوله : * ( كلمح بالبصر ) * يعطي أن الأمر الذي هو كلمة " كن " موجود دفعي الوجود غير تدريجية ، فهو يوجد من غير اشتراط وجوده وتقييده بزمان أو مكان ، ومن هنا يتبين أن الأمر - ومنه الروح - شئ غير جسماني ولا مادي ، فإن الموجودات المادية الجسمانية من أحكامها العامة أنها تدريجية الوجود ، مقيدة بالزمان والمكان ، فالروح التي للإنسان ليس بمادية جسمانية ، وإن كان لها تعلق بها . وهناك آيات تكشف عن كيفية هذا التعلق ، فقد قال تعالى : * ( منها خلقناكم ) * ( 7 ) ،

--> ( 1 ) الزمر : 42 . ( 2 ) السجدة : 10 ، 11 . ( 3 ) السجدة : 9 . ( 4 ) الإسراء : 85 . ( 5 ) يس : 82 ، 83 . ( 6 ) القمر : 50 . ( 7 ) طه : 55 .